أفريقيا وكسر القيد النقدي

مسارات التحرر من هيمنة العملات الأجنبية. في قلب الأزمات المالية المتكررة، تُكشَف هشاشة البنية النقدية في أفريقيا. من تعويم الجنيه المصري وتآكل النيرة النيجيرية، إلى ارتباط فرنك CFA (فرنك المستعمرات الفرنسية بأفريقيا) بمنظومة تُدار من باريس. هذه الأزمات لا تعبّر فقط عن اختلالات داخلية، بل عن ارتهان تاريخي لمنظومة عملات أجنبية، حيث تتحكم قوى خارجية في مسارات السيادة الاقتصادية للدول الأفريقية. في مواجهة هذه الهيمنة، يطرح تحالف البريكس رؤى بديلة. نظام مدفوعات مستقل (BRICS Pay)، عملة موحدة مدعومة بالسلع، وبنك تنمية يقدم قروضًا بعملات محلية. هذه المبادرات تحمل وعدًا بإعادة هندسة النظام المالي العالمي، وتوفير هامش مناورة نقدي لدول الجنوب. لكن التحدي لا يكمن في توفر البدائل، بل في مدى قدرة الدول الأفريقية على تحويلها إلى أدوات للسيادة الفعلية. فمع تمركز أكثر من 70% من الناتج الإجمالي للبريكس في الصين، تثار مخاوف من استبدال تبعية بأخرى، لا تقل اختلالًا عن سابقتها. التحرر النقدي لا يُستورد من واشنطن ولا من بكين. فبدون مؤسسات مالية قوية، وتكامل إقليمي فعّال، وإرادة سياسية تُعيد تعريف العلاقة مع السوق العالمي، ستبقى البدائل مجرّد أدوات عاكسة لعطب داخلي أعمق. في معركة ما بعد الدولار، لا تكمن المسألة في العملة فحسب، بل في القرار. من يملكه، ولمن يُوجَّه. الرهان الحقيقي يبدأ من الداخل، حيث تُصاغ ملامح السيادة لا على الورق، بل في المؤسسات، والسياسات، وشروط الإنتاج